سرطان الاستبداد المستفحل في تركيا

بعد فرض حالة الطوارئ لعامين، يأتي قانون مكافحة الإرهاب الجديد في تركيا ضامناً لبقاء الكثير من السلطات الاستثنائية التي كانت تتمتع بها الحكومة في يدها.

ومن السمات المهمة لقانون مكافحة الإرهاب الجديد السلطات الموسعة التي يمنحها للمحافظين والجيش. فعلى سبيل المثال، هناك حقيقة أن للمحافظين سلطة تأجيل أي اجتماع أو إلغائه، وأنه يمكن لقادة الجيش في الحالات الطارئة إصدار أوامر بتفتيش الأشخاص وسياراتهم وفحص الأوراق الشخصية وتفتيش الممتلكات، وهو ما يتناقض مع مبدأ الفصل بين السلطات الذي يقره الدستور التركي. فضلا عن ذلك فإن السلطات الممنوحة للجيش بإجراء عمليات تفتيش بدون إذن في المناطق الخاضعة للقانون العسكري، هي وفقا لتحليلي تعد انتهاكاً للخصوصية والحقوق والحريات الأساسية التي يكفلها الدستور.

والسلطات الموسعة الممنوحة للمحافظين، فضلا عن إعادة التنظيم الإداري الذي يضعهم مباشرة تحت سلطة الرئيس، تجعلهم ممثلين للرئيس دون غيره وخاضعين لسلطته الحصرية، كما أن هذا يعد طريقة لنقل الإدارة المركزية الاستبدادية إلى مديري المناطق. وهذا يعني أننا سنرى المزيد من الشخصيات التي تشبه الرئيس رجب طيب أردوغان في كل مكان. ففي كل محافظة، سيكون مديرو المناطق أكثر تأييداً لأردوغان من أي وقت مضى. نتيجة لذلك، سيتزايد الاستبداد وينتشر ليصل إلى جميع مستويات المجتمع. وخلاصة القول إن هذا سيصبح سرطان الاستبداد.

ينتج الاستبداد عن اعتلال ذهني مرَضي، وتكون معظم أسباب الاستبداد نفسيةً. وأبرز هذه الأسباب النفسية الشعور بعدم الأمان والتشكيك المفرط والخوف من المستقبل.

كانت القوى التي خرج من رحمها استبداد السلطان عبد الحميد الثاني في آخر القرن التاسع عشر مماثلة إلى حد كبير. ويتفق المؤرخون على أن السلطان عبد الحميد كان يتسم بشخصية منغلقة ومتحفظة في عواطفها بسبب فقده أمه وهو في سن 11 عاماً فضلاً عن سلوك والده البارد. كان ذلك نتيجة لأنه ترعرع محروماً من حنان الأم وحب الأب.

ولأن السلطان عبد الحميد رأى كيف أن سلَفَيْه السلطان عبد العزيز والسلطان مراد الخامس خُلعا من خلال انقلابين أحدهما عسكري والآخر بيروقراطي، فقد كان شديد الشك في مسؤولي الحكومة وحاشية القصر. كما كان أيضاً مرتاباً في رجال الدين الذين أعطوا الشرعية للانقلابات بفتاوى أطلقوها. وكان يخشى خلعه في يوم من الأيام عن طريق انقلاب عسكري، ومن ثم لم يكن يشعر أبداً بالأمان أو يثق في أي شخص.

نتيجة لهذا فقد بدأ عبد الحميد البحث عن تدابير احترازية تضمن له موقعه السياسي وحياته ومستقبله. وقد أسس خدمة سرية وأدار عمليات استخباراتية موسعة شملت تتبع الجميع، بما في ذلك مسؤولو الحكومة. واستخدم السلطان عبد الحميد قروضاً لكي يبني قصر يلدز وجلب وجوهاً جديدة ليؤسس بها إدارته الجديدة. وقد كان اعتقاده أن سلامته الشخصية وبقاءه مرادفان لسلامة الدولة وبقائها واتخذ تدابير احترازية من هذا المنطلق.

وفي الاجتماع الذي جرى ترتيبه لبحث أسباب هزيمة الدولة العثمانية في الحرب الروسية التركية عام 1877-1878، غضب السلطان عبد الحميد من الانتقادات التي وُجهت له وردّ بإعلان قال فيه “سأضطر لأن أحذو حذو السلطان محمد الثاني” وقرر أن يطبق نظاماً استبدادياً. لكن في حقيقة الأمر، كان ذلك النظام الاستبدادي هو مصدر جميع القضايا تقريباً التي نشأت خلال انهيار الدولة العثمانية. وتبَنّى إجراءاتٍ تُمهّدُ الطريقَ أمام الانهيار على أنها مسارٌ يقود إلى الخلاص هو لا شك أمرٌ يشير إلى اعتلال ذهني مرَضي.

وبعد أن رسًخ سلطته في اسطنبول، توجه عبد الحميد إلى الريف. ولكي يرسخ سلطته في الأقاليم، فقد أجرى اتصالات بشخصيات طاغية ومستبدة في داخل تلك الأقاليم وزعماء قبائل وطوائف. وعلى الرغم من أن نواياه بدت تتمثل في ضمان استمرار الدولة، فقد كان يمهد الطريق أمام الانهيار الكامل للدولة العثمانية.

ولكن كيف؟

الدولة هي كيانٌ مجرد روحه القانون، ويخضع الحاكم فيها إلى القوانين ذاتها التي تحكم المحكوم. ومن ثم لا يمكن لشخص الادعاء بأنه هو “الدولة”. وهذا يعني أن الدولة ليست كياناً ملموساً يمكن رؤيته. والدولة موجودة في كل مكان، لكن لا أحد يسمع صوتها لأنها لا صوت لها. ولا توجد قوة على الأرض يمكنها أن تطيح بدولة لا يمكن رؤيتها أصلاً أو سماع صوتها أو لمسها؛ وأصدقاء الدولة وأعداؤها على حد سواء يمكنهم فقط أن يروا نتاج الدولة المجردة، وهذا المنتج هو العدالة والدستور والحرية والرفاه والطُمأنينة.

وعندما تنتقل الدولة من كونها كيانا مجردا لتصبح كياناً ملموسا، تكون هذه إشارة على بداية انهيار الدولة، فالكيانات الملموسة يمكن رؤيتها وإلحاق الأذى بها. ويتحقق تحويل الدولة إلى كيان ملموس عندما يتم تجاهل القانون وتعلوا عليه سلطةُ من ألقوا به في سلة المهملات، وترى أناساً يقولون “أنا الدولة”. هؤلاء الناس لا يخضعون للقوانين والتعليمات التي يتبعها عامة الشعب؛ وهم لديهم السلطة للتصرف خارج إطار القانون، ويستخدمون هذه السلطة. وقد تفتت نظام الدولة المجردة وحلت محله إرادة شخص واحد وفرض تابعوه سطوتهم على الناس.

ومن أجل حماية الدولة من التهديد الأرمني والروسي، أسس عبد الحميد نظاماً عسكريا للمناطق يتألف من قبائل كردية وعربية سمَّاها “الخيالة الحميدية”. ومن سوء الحظ أن عبد الحميد اعتمد على الاستبداد مثل جده محمود الثاني. فالشخص الذي كان مسؤولا في الأصل عن انهيار النظام الاجتماعي في شرق الأناضول لم يكن سوى السلطان محمود.

كانت الخيالة الحميدية مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالسلطان وكانت خاضعة لسيطرة الجنرال زكي باشا، وهو أحد أقارب عبد الحميد. ولم تكن لمدراء المناطق المدنيين والعسكريين سلطة التدخل في هذه القوات بأي شكل من الأشكال. ولم يكن أفراد الخيالة يَمثُلون أمام محاكم المناطق عندما يرتكبون جرائم، كما لم يكن لمدراء المناطق سلطة محاسبتهم.

وكانت الخيالة الحميدية أحد المظاهر الملموسة للدولة في ظل عملها خارج إطار القانون. فقد أصبحت “الدولة” في ذلك الوقت هي عبد الحميد، إذ صارت الخيالة الحميدية دولة عشوائية في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرتها.

وأصبحت الدولة في ذلك الوقت ملموسة بشكل كامل، وباتت الحرابة والقمع بلا حدود؛ فعلى سبيل المثال، زار مصطفى باشا – قائد قبيلة ميران الكردية – السلطان، وحصل على لقب “باشا” وأسس ألويته العسكرية الخاصة.

وتذخر كتب التاريخ بالأعمال الوحشية التي ارتكبها مصطفى باشا، فقد كان القتل واغتصاب الحقوق والانتهاك الجسدي خارج السيطرة، ولم يكن هناك كيان أو شخص باستطاعته التصدي له. وتذخر السجلات بالوثائق التي تؤرخ لهذه الأحداث. ولم يكن مصطفى باشا نموذجاً وحيداً.

فقد ضم النظام الذي أسسه السلطان عبد الحميد ما هو أكثر من الخيالة الحميدية، إذ استغل لقبه كخليفة للاتصال بزعماء الطوائف واستقبل هؤلاء الزعماء الدينيين في قصره وأجزل لهم في العطايا، كما سمح لهم أيضا بتعزيز نفوذهم وترسيخ سلطتهم في المنطقة. ونتيجة لهذا، فضلا عن قسوة باشاوات الحميدية، صار انتهاك حقوق الفقراء الأميين من السكان المحليين وتجريدهم منها الشغل الشاغل للزعماء الطائفيين. وعلى الرغم من أنه لم يكن جميع زعماء المناطق قد تصرفوا على هذا النحو، فإن من شاركوا في أعمال القسوة كانوا كثيرين جداً لدرجة لا يُستهان بها.

لم يولَد التاريخ شاهداً على تأسيس أنظمة إنسانية على يد أشخاص يتصرفون خارج إطار القانون أو فوقه. والتاريخ يُظهر أن الطغيان يولّد طغياناً أكبر ويدمر نظام الدولة القائم.

وقد تعهدت جمعية الاتحاد والترقي التي أطاحت بعبد الحميد بالحرية لرعاياها كما فعل السابقون عليها. لكن عندما تولى أعضاء الجمعية الحكومة، صاروا أكثر طغيانا من السلطان عبد الحميد. وفي الواقع، هم لم يكن أمامهم خيارٌ آخر. فكما يُخضع الأطباء المرضى الذين يعانون من أورام مستفحلة إلى العلاج المكثف، بدأت جمعية الاتحاد والترقي حقبة من السيطرة الشديدة. لكن الرعاية المركزة لم تكن كافية لإنقاذ المريض؛ وبعد مرور قرن من الطغيان، انهارت دولة عمرها 600 عام وتفككت.

إن الاستبداد الذي نشره أردوغان حتى وصل إلى المستويات الدنيا من الدولة من خلال قانون مكافحة الإرهاب لن يحل أياً من المشاكل التي تواجهها الجماهير؛ كما أنه لن يحل القضايا الأمنية ولا القضايا الاقتصادية. وربما يكون السلطان عبد الحميد الثاني وجمعية الاتحاد والترقي قد اختارا الاستبداد عندما واجههم حُطام الدولة العثمانية المتهاوية؛ لكن السنوات الخمس عشرة التي ظل فيها أردوغان في السلطة حولت الدولة إلى بقايا، وهو يختار الآن أن يحكم من خلال الاستبداد والطغيان. هذا هو أهم فارق بين الحالتين.

أُقِر قانون مكافحة الإرهاب ويجري تطبيقه حالياً. وسيدخل مسؤولو الأمن وقادة الجيش والمحافظون الذين يرون الآن أنهم فوق القانون في إجراءات غير قانونية، مستعينين على ذلك بهواجسهم وشكوكهم الشخصية. والأمر الذي لا مفر منه هو أن الأبرياء سيتضررون والنظام العام سينهار، وسيقود هذا إلى المزيد من الضغط الحكومي.

ولسوء الحظ فإن هذا لن يصبح كافياً، وسيتولى نظام إدارة أكثر تشدداً – وعلى الأرجح سيكون قانوناً عسكرياً – مقاليد الأمور في ربوع البلاد. عندئذ ستصبح البلاد من جديد في حاجة إلى دخول غرفة العناية المشدّدة.
يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: