إمام أوغلو والملك الإله

هل شاهدتم فيلم “الأسبارطة اﻟ 300″؟، تحكي قصة الفيلم كيف نجح الفرس في احتلال منطقة الأناضول قبل ألفين وخمسمائة عام، وكيف كانوا ينظرون إلى ملكهم زيركسيس باحترام وتبجيل شديدين، لدرجة أنهم كانوا يطيعونه طاعة عمياء؛ ظنًا منهم أنه الملك الذي لا يُهزم، والإله الذي لا يقهره الموت.

كان الملك المقدس (الملك الإله) قد احتل الأناضول أولاً بجيشه المكون من ثلاثة ملايين فرد؛ حيث سيطر عليهم واستعبدهم بسحره، وبتلك الهالة التي أحاط بها نفسه، ثم ما لبث أن بدأ يحول ناظريه إلى اليونان، وكانت تمثل المركز الحضاري في عصره.

وفي المقابل من ذلك، وقف ملك أسبرطة ليونيداس مع 300 محارب من أسبرطة يدافعون عن وطنهم وحضارتهم في وجه جيش زيركسيس، وجيش قوامه ثلاثة ملايين فرد.

ولما عجز الملك المقدس زيركسيس عن إدراك هدفه بعد فترة طويلة من الاشتباكات التي دارت بينهم، قرر في النهاية دعوة الملك ليونيداس. حاول، خلال هذا اللقاء، إقناعه أن ينضم إليه، وصاح فيه قائلًا:

“أنا الملك المقدس الذي لا يُقهر. يمكنني قتل رجالي دون وضع اعتبار لشيء فما بالك بأعدائي، لك أن تخمن ما الذي يمكنني أن أفعله بهم”.

رد عليه الملك ليونيداس بأنه لن يتردد في الموت حباً في رجاله، فاستشاط زيركسيس غضباً، وهدده بحرق اليونان بكاملها، فرد عليه ليونيداس وقال “لديك الكثير من العبيد في جيشك، وقليل من المحاربين، وفي القريب العاجل سيشعر هؤلاء بالذعر من رماحي أكثر مما يخافون من سياطك وبطشك”.

فهم زيركسيس أنه لن يستطيع إقناع ليونيداس عن طريق الترهيب، فلجأ إلى حيلة أخرى مفادها أنه سيمنحه الذهب، وسيخلع عليه الألقاب:

“أنا ملك كريم، وبإمكاني أن أجعلك ثرياً للغاية. سأجعلك لورد الحرب في اليونان كلها. ستحمل لواء الحرب في جيشي إلى قلب أوروبا. سأسد الطريق على جميع منافسيك في أثينا، ولكن ينبغي أن تخضع لي في البداية…”

رفض ليونيداس الركوع للملك زيركسيس، الذي رد عليه بدوره، وقد استبد به الغضب، قائلاً “سأمحو اسم أسبرطة من صفحة التاريخ. سأحرق كتبكم، وسأفقأ أعين جميع المؤرخين اليونانيين، وسأُقطِّع ألسنتهم، وسيكون الموت هو العقوبة الوحيدة لكل من يذكر اسم أسبرطة  وليونيداس على لسانه، ولن يعرف العالم بوجودكم”.

رد ليونيداس على ذلك بقوله “سيعلم العالم أن هناك مجموعة من الأحرار وقفوا في وجه الطاغية؛ سيعلم أن حفنة من المحاربين وقفوا أمام جيش جرار، ولن تنتهي هذه الحرب قبل أن يصيبكم الأذى، ولن ينجو بنفسه حتى الملك المقدس…”
وهذا ما حدث بالفعل؛ فقد اخترق سهم، رمى به ليونيداس في إحدى المعارك في مرحلة لاحقة من الحرب، خد الملك زيركسيس ومزقه تماماً. والواقع أن الذي تمزق كانت هالة الألوهية التي كان يحيط نفسه بها.

والآن وبعد ألفين وخمسمائة عام تعود روح زيركسيس مرة أخرى إلى الأناضول، ولكنها تلبس جسد أردوغان في هذه المرة. أردوغان الذي لا يعترف بأي من قواعد الحرب، ولا يشغله سوى أن يحقق انتصارات جديدة يضيفها إلى انتصاراته؛ فأحاط بالناسِ إحاطة السوار بالمعصم؛ فوقف في طريقهم، ومن أمامهم ومن خلفهم وعن يمينهم وعن يسارهم ومن فوقهم ومن تحتهم؛ لم يترك وسيلة تقوده إلى أهدافه إلا فعلها.

لقد اشترى البعض أو لنقل استعبد البعض بالمال والبعض الآخر بالتخويف والترهيب، ورضى هؤلاء أن يصيروا عبيدًا له. وبالفعل أصبح قائداً لجيش جرَّار من العبيد.

لكن، وعلى الرغم من كل شيء، كان هناك جماعة رفضت أن تتحول إلى عبيد؛ فكان جزاؤهم السجن والتعذيب والنفي والجوع والعطش والفقر. عقد أردوغان العزم على إزالة أسماء هؤلاء المتمردين من صفحة التاريخ.

وقد وصل به الاستبداد إلى حد أنه حظر على أتباعه ذكر اسم أي من هؤلاء. ولم يقتصر على إغلاق أبواب وسائل الإعلام، مثل الصحف والتليفزيون، في وجوههم، بل قام بمحو أرشيفهم؛ فلم يعد بمقدور أحد الوصول إلى أية معلومة تخص هؤلاء الأحرار؛ لأن هذا الأرشيف يحتوي على معلومات قديمة تسبب إزعاجاً شديداً لأردوغان. أراد بهذا أن يقطع ألسنة كل من يجرؤ على الوقوف في وجهه وأن يفقأ أعينهم.

ألقى ببعضهم في السجون، وخطف البعض الآخر ليلاً، واعتقله في أماكن مجهولة، ورصد المكافآت لمن يأتي برأس كل من فر بحياته من بطشه، وأطلق وراءهم الصيادين؛ كل منهم يسعى للفتك بهؤلاء الأحرار طمعًا في رضا الجلاد.

وفي المقابل من ذلك، كان بين أنصار أردوغان طائفته الخاصة، الذين يضفون عليه صفة القدسية، بل لا أبالغ إذا قلتُ إن منهم من يضفون عليه بعضاً من صفات الألوهية؛ أي أنه صار في نظرهم “الملك الإله”. لقد صار مجرد لمسه أو مصافحته نوعاً من العبادة في نظر هؤلاء العبيد، وصار العمل لأجله ومؤازرته في كل خطوة يخطوها صكًا من صكوك الغفران يُقرِّبهم إلى الجنة، وبذلك رسخ في يقينهم أن مصير، الذين يتقرَّبون إليه، سيكون إلى النار، ومن يعصونه فإلى جهنم. هذا هو إيمانهم.

كان الذين يؤمنون بأردوغان يعتقدون أيضًا أنه لا يُقهر؛ لا يمكن منازلته أو إلحاق الهزيمة به. وهو، في نظرهم، الشخص الوحيد القادر على كشف المؤامرات، وتخطى العقبات، وإلحاق الهزائم بأي عدو يتربص به؛ لذلك، لابد أن يبدأ أي حديث بذكر اسمه أولاً.

لا تكاد تمر جملة ينطقون بها دون ذكر اسمه أو الإشارة إليه؛ فهو القائد المُظفَّر الذي يحمي ظهورهم من الأعداء، وهو الرئيس الذي يحالفه النجاح في كل عمل يقوم به، وهو الذي لم يدخل سباقاً إلا فاز به.

استولى المسخ على جميع أراضي الأناضول كما تقول التعويذة الفارسية القديمة. في تلك الأجواء كانت هناك انتخابات جديدة. في تلك الأثناء اجترأ واحد، ممن لا يلقى لهم أردوغان بالاً، على الوقوف في وجهه في إسطنبول؛ حتى أنه قلَّل منه في البداية.

لم يعرف أردوغان أن هذا الرجل قد بُعِثَ من الماضي ليُحدِث فجوةً كبيرةً في سلطنته في إسطنبول، ويلحق به الأذى، ويكشف عن وجهه الحقيقي أمام الناس، ويزيح الغشاوة من فوق أعين عبيده.

وجرت الانتخابات، وانطلق سهم إمام أوغلو من صناديق الاقتراع مثل سهم ليونيداس الذي مزَّق خد زيركسيس؛ ليصيب وجه أردوغان في وجهه ويمزق خده كذلك. شعر الرجل، الذي يمتلك قوة الآلهة، بخوف مثل الذي يشعر به البشر، على الرغم من عدم وجود خطر كبير يهدد حياته في المرحلة الحالية.

ظهر أمام الجميع أن أردوغان بشري مثلهم من لحم دم، يمكن أن يتعرض للهزيمة كسائر البشر. وفي رأيي الشخصي، إن أهم ما يميز هذه الانتخابات أنها أظهرت أمام الجميع أنه يمكن إلحاق الهزيمة بأردوغان، ولذلك قال أردوغان “ليست هناك انتخابات أخرى قبل أربعة أعوام ونصف”.

وعلى الجانب الآخر، لن يدخر أردوغان جهداً في إلهاء الناس عن عجزه، وعن كونه قد  تلقى بالفعل هزيمة ثقيلة، وسيحاول إقناعهم من جديد بصفات الألوهية لديه. سيشدد من قبضته، ولن يتردد في معاقبة المتمردين، ومحو أسمائهم من صفحة التاريخ.

سيعلم العالم أن هناك مجموعة من الأحرار وقفوا في وجه الطاغية، وأنهم مستمرون في نضالهم ضد الملك الإله.