مقتل سليماني وقرار أردوغان الأصعب

يمكن اعتبار قتل الجنرال قاسم سليماني من قبل الولايات المتحدة من أخطر وأكبر الأحداث التي وقعت في الشرق الأوسط وأثرت على تركيا منذ إقبال الأخيرة على إسقاط طائرة حربية روسية في عام 2015.

وعند النظر إلى مبررات الطرفين، يتبين حتماً أن مبررات الولايات المتحدة أقوى بكثير من مبررات تركيا لإسقاط الطائرة الروسية. فقد كانت السفارة الأميركية في بغداد، التي تتمتع بالحصانة مثل كل السفارات في العالم، تعرضت لمداهمةٍ نظمتها الميليشيا التي يسيطر عليها سليماني وأضرمت النار في مبنى السفارة، الأمر الذي أضاف صدمة جديدة إلى قائمة صدمات الولايات المتحدة التي تتعرض لها جراء مداهمات سفاراتها.

كان الهجوم الآخر الذي نفذته مجموعة مسلحة على القنصلية الأميركية بمدينة بنغازي في ليبيا عام 2012 أسفر عن مقتل سفير واشنطن في ليبيا كريستوفر ستيفنز وثلاثة موظفين قنصليين آخرين. وقد تم استخدام هذا الحدث باعتباره ورقة رابحة ضد هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية آنذاك، عندما خاضت في غمار الانتخابات الرئاسية في عام 2016 من صفوف الديمقراطيين.

أما المداهمة الأكثر صدمة فقد حدثت في طهران عام 1979؛ ففي 4 نوفمبر 1979 أقدم مجموعة من الطلاب المحتجين على لجوء الشاه الإيراني إلى الولايات المتحدة بعد الثورة الإسلامية في إيران على اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجازِ 52 شخصًا من طاقم السفارة، مطالبين بتسليم الشاه وإلغاء تجميد الأصول الإيرانية في الولايات المتحدة.

الرئيس الأميركي جيمي كارتر، الذي نفذ عملية إنقاذ فاشلة خلال أزمة الرهائن التي استمرت 444 يومًا، لم يتمكن من إدارة أزمة الرهائن في إيران جيدًا ليترك مقعده إلى رونالد ريجان في الانتخابات المقبلة.

ثم كاد الرئيس الحالي دونالد ترامب أن يواجه خطر الوقوع في الموقف المحرج ذاته الذي وقع فيه أسلافه كارتر أو أوباما الذي ينتقده كثيرًا. لكنه أظهر أنه لا يريد أن يشارك الرؤساء الأميركيين السابقين نفس المصير من خلال القضاء على سليماني الذي اعتبره مسؤولاً عن اقتحام السفارة، وذلك قبيل انعقاد جلسة مجلس الشيوخ من أجل نقاش قضية عزله من منصبه.

يمكن القول بأن مقتل سليماني في نوفمبر قد دمر “الواقعية السياسية الفعلية” التي سعت كل من إيران وتركيا إلى إقامتها في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى تدمير البارادايم والخطاب الذين طورهما أردوغان ضد الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي الناتو. لقد انهار العمود الأساسي من رصيف الميناء وانكسر الكثير من ألواحه. لذا ينبغي أن نتوقع أنه لن يكون أي شيء في هذه الجغرافيا كما كان من قبل.

حسنًا فما هي “الواقعية السياسية الفعلية” التي حاولت إيران وتركيا إنشاءها في الشرق الأوسط؟

يمكن أن نعرف أهم ركائز أو دعائم هذه السياسة بأنها “تطويق إسرائيل وعزلها”. كانت إيران قد حاصرت إسرائيل عبر لبنان وسوريا من خلال المنظمات الشيعية مثل حزب الله وفيلق القدس لتشكِّل بذلك تهديدًا دائمًا موجهًا إليها من الشمال والغرب معًا. في حين أن تركيا كانت تسعى لتصنع تهديدًا مستمرًا يجثم مثل كابوس على إسرائيل من خلال منظمات سنية من قبيل داعش وحركة حماس. علاوة على ذلك، فإن هذا التهديد لن يتوجه إلى إسرائيل من الشمال فحسب، بل من الشرق والجنوب أيضًا.

وعلى الرغم من أن حزب الله وداعش يقاتلان بعضهما البعض في سوريا، لكن من المحتمل دائمًا أن يبادر هذان الشقيقان العدوّان إلى التحالف ضد إسرائيل التي يصفانها بـ”العدو المشترك”. ومن المعروف أن هناك تحالفًا بين حركة حماس “السنية” وحزب الله “الشيعي”. رسالة التعزية التي أصدرتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي بحق سليماني من علامات هذا التحالف. لذا فإن مقتل كلاً من زعيم داعش، أبو بكر البغدادي، في نهاية شهر أكتوبر من العام الماضي، والآن قاسم سليماني، وجه ضربة لمعادلة التهديد المستمر الموجهة ضد إسرائيل.

أعتقد أن القضية الكردية هي القضية الأخرى التي تتفق عليها كل من تركيا وإيران؛ حيث أن نظرتهما إلى الأكراد وسياساتهما تجاههم متشابهة للغاية، وتطبّق كل منهما سياسات الاستيعاب ضدهم، وترى أن جهود الأكراد في العراق وسوريا للحصول على إدارة مستقلة أو ذاتية تشكل خطراً على بقائهما.

وقد لاحظنا التنفيذ الفعلي لهذه النظرة والسياسة في الاستفتاء الذي أجري على الاستقلال في كردستان العراق. فبعد مطلب زعيم كردستان العراق مسعود بارزاني بالاستقلال في سبتمبر 2017، هاجمت الميليشيا الشيعية “الحشد الشعبي” والجيش العراقي مدينة كركوك في كردستان، ونزعتها من الأكراد. وكان هذا الهجوم أول تحالف علني بين تركيا والحشد الشعبي.

ولا شك أن توجه الولايات المتحدة لقتل قادة المنظمات التي تقوم بدور “القاتل المأجور” لحساب إيران وتركيا في مكافحتهما ضد الأكراد حادثة ألحقت ضررًا بكفاحهما هذا، وجعلت الأكراد يتنفسون الصعداء.

هناك قضية أخرى أكثر أهمية من هذه الأمور كلها بالنسبة لتركيا، ألا وهي الجهود التي تبذلها إيران للتوغل والاستقرار في تركيا واختطافها من المنظومة الغربية وأخذها تحت هيمنتها. لقد فرضت إيران هيمنتها في كل من اليمن والعراق وسوريا من خلال استخدام امتداداتها الشيعية في تلك الدول، فيما بسطت نفوذها في تركيا بتوظيف الحركات السياسية والاجتماعية “الإسلامية”. ونجحت إيران بمهارة فذة في استخدام الجواسيس وعملاء التأثير والنفوذ الذين نشرتهم في تركيا لتصدير نظامها واختراق الحصار الأميركي الاقتصادي المفروض عليها. وليست قضايا الفساد التي أغلقت بعدما بدأت في 17 / 25 ديسمبر 2013، والمحاكمة الجارية في نيويورك حول بنك خلق الحكومي التركي إلا جزء قليل يسلط الأضواء على الأنشطة الإيرانية في تركيا.

وهناك قسم آخر من الأنشطة الإيرانية في تركيا تكشَّفت من خلال قضية “تنظيم جيش السلام والتوحيد والقدس” التابع للحرس الثوري الإيراني بقيادة سليماني. بحسب القرارات القضائية التي وافقت عليها المحكمة العليا في تركيا أيضًا، فإن هدف هذا التنظيم هو: “السعي لتغيير النظام الدستوري الحالي في تركيا عن طريق السلاح، وإقامة دولة إسلامية على غرار النظام الإيراني بدلا منه”. وقد صنفت المحكمة العليا هذا التنظيم ضمن المنظمات الإرهابية المسلحة لأول مرة في عام 2002، واستمر هذا التصنيف حتى عام 2014.

لكن التنظيم المرتبط بشكل مباشر بالمخابرات الإيرانية والمسؤولة عن العديد من الاغتيالات والتفجيرات في تركيا، مثل اغتيال كل من المثقفين الأتراك أغور مومجو، وأحمد تانر كيشلالي، وبحرية أوجوك، ومعمر أكصوي، قد تبخر تمامًا بعد عام 2014. لقد أغلقت حكومة أردوغان هذه القضية بسبب انكشاف امتدادات هذه المنظمة في الجهاز البيروقراطي والحياة السياسية.

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار فشل كل من تنظيم أرجنكون وجماعة فتح الله غولن في إغلاق القضايا المفتوحة بحقهما، رغم تمتعهما بكوادر قوية في المؤسسة البيروقراطية، مقابل نجاح تنظيم السلام والتوحيد في رفع القضية المفتوحة بحقه على الأرفف، فإنه يتبين مدى التأثير والنفوذ الذي يتمتع به التنظيم في تركيا. إن إيران تعيش اليوم عهدها الذهبي في تركيا ويحشر أردوغان في زاوية أضيق يومًا بعد يوم.

وعودًا على بدء، عندما أسقطت تركيا الطائرة الحربية الروسية وجهت إلى الناتو دعوة ليعلن بعدها كلا من الناتو والولايات المتحدة دعمها لتركيا. لا أحد يشك في أن هذا الوضع قد أوقف روسيا. واليوم تتعرض تركيا لاختبار مماثل، وهل سيقف أردوغان إلى جانب حليفه الإستراتيجي، الولايات المتحدة أم إيران؟ هل سيستجيب لدعوة إيران إلى القتال معًا ضد الولايات المتحدة أم أنه ستفضّل البقاء ضمن منظومة التحالف الغربي؟

تمتلك كل من إيران والولايات المتحدة أوراقًا قوية يمكن أن تستخدمها ضد أردوغان لإبقائه معها. ستمارس إيران الضغوط على أردوغان من خلال امتداداتها المحلية في تركيا. ولا يساورنّكم أي شك أن هذه الامتدادات الإيرانية متنفذة وفعالة في أكثر مؤسسات الدولة التركية حيوية وأحاطت بأردوغان من كل الجوانب. وكذلك ستمارس سياسة الابتزاز تجاهه من خلال استغلال دورها الحيوي في مؤامرة انقلاب 15 يوليو 2016 كما فعلت ذلك من قبلُ.

ويمكن أن نتوقع أن الولايات المتحدة لن تكتفي بتهديد أردوغان بالكشف عن ممتلكاته الشخصية بل ستمارس عليه الضغط باستخدام وسائل أكثر تطوراً. وقد تصل العلاقات الثنائية بين الطرفين إلى مستوى خطير لا تبقى معه أهمية تذكر للأزمات من قبيل صواريخ إس – 400 الروسية و طائرات إف – 35  والقواعد الأميركية.

من المحتمل أن اختيار أردوغان، أيا كان، سيؤدي إلى تغيير جذري في التوازن الجديد الذي كان يحاول تحقيقه في السنوات العشر الماضية أو يمكن أن ينتقل إلى مرحلة جديدة. لقد دخلت تركيا الآن مرحلة مختلفة بالفعل. كل شيء يمكن أن يكون جيدًا جدًا أو سيئًا للغاية. لذلك أقول إن خطوة ترامب الأخيرة أثرت على تركيا أكثر من إيران.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.